عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
40
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الفصل الخامس في المنام الصادق وأنه جزء من النبوة . والفرق بين المنام ووقائع القوم . عن عبادة بن الصامت - رضي اللّه عنه - . قال : سألت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن قوله تعالى : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ يونس : 64 ] قال - صلى اللّه عليه وسلم - : الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له « 1 » . وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « الرؤيا الحسنة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » « 2 » قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « من النبوة » أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده ، وإنما كانت جزءا من النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم . وقيل : معناه أنها جزء من أجزاء علم النبوة ، وعلم النبوة باق والنبوة غير باقية . عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - ، يقول : سمعت النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « يقول : لم يبق من النبوة إلا المبشرات » قالوا : يا رسول اللّه ، وما المبشرات ؟ قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « الرؤيا الصالحة » « 3 » . وقال بعض أهل العلم في قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » إن مدة وحي الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من حين بدىء إلى أن فارق الدنيا ، كان ثلاثا وعشرين سنة ، وكانت ستة أشهر منها في أول الأمر يوحى إليه في النوم ، وهو نصف سنة ، فكانت مدة وحيه في النوم جزءا من ستة وأربعين جزءا من جملة أيام الوحي . وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إذا كان آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ، فأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا » « 4 » . والرؤيا ثلاثة : رؤيا بشرى من اللّه عز وجل ، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه ، ورؤيا من تحذير الشيطان ، وإذا رأى أحدكم ما يكره ، فلا يحدث به وليقم فليصل والقيد في المنام ثبات في الدين والغل أكرهه » « 5 » والمعبرون يقولون : أصدق الرؤيا في الوقت الربيع عند اعتدال الليل والنهار . وأما حقيقة النوم فنقول : هو تعطيل النفس آلات الحواس إجماما لها ، وإنما
--> ( 1 و 2 ) رواه أحمد في المسند عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، حديث رقم ( 9669 ) ولفظه : « الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » . ( 3 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب التعبير ، باب المبشرات ، حديث رقم ( 6990 ) ورواه غيره . ( 4 ) أخرجه البغوي في شرح السنة ( 12 / 208 ) طبعة المكتب الإسلامي ، بيروت . ( 5 ) انظر تخريجه في كنز العمال للمتقي الهندي ، حديث رقم ( 41378 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .